أحمد بن محمود السيواسي

40

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 137 ] وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ( 137 ) قوله ( وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) الآية نزلت « 1 » تعييرا لأهل الجاهلية وتهجينا لأعمالهم حيث كانوا يقتلون أولادهم مخافة الفقر ولحمية الجاهلية يدفنون بناتهم أحياء « 2 » ، أي مثل ذلك التزيين الذي ثبت لهم من الشيطان في قسمة القربات من الزروع والأنعام بين اللّه وبين أصنامهم « زَيَّنَ » لهم معلوما مع نصب « قَتْلَ » في ( قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ ) مفعولا صريحا له ورفع « الشركاء » فاعلا له ، والمراد شياطينهم ، أي زين الشياطين لأكثر المشركين وأد البنات ، وأضيفوا إليهم لطاعتهم إياهم ، وقرئ مجهولا مع رفع « قتل » مقام الفاعل ونصب « أَوْلادِهِمْ » مفعول « قَتْلَ » وجر « شُرَكائِهِمْ » لإضافة « القتل » إليهم « 3 » ، وقد فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول وهو « الأولاد » ، والتقدير : زين لهم قتل شركائهم أولادهم ، فعلى هذا معنى قتل الشركاء أولادهم الذين أشركوهم في أموالهم فيكون نصب « أَوْلادِهِمْ » نصب التفسير والاختصاص ، أي أعني أولادهم « 4 » ، وقيل : « الشركاء سدنة أصنامهم » « 5 » ، لأنهم كانوا يحسنون لهم ذلك العمل . وبعضهم رد هذه القراءة للفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير ظرف ، وأجيب عنه بأن القرآن محكوم بصحته ، بل بتواتره ، وهو قراءة ابن عامر ، والطعن فيه يكون طعنا في علماء الأمصار الذين جعلوه أحد القراء « 6 » السبعة المرضية وطعنا في الفقهاء الذين يعاصرونهم حيث لم ينكروا عليهم والكل أجمعوا على صحته يقرؤنها في محاربتهم ، واللّه أكرم من أن يجمعهم على الخطأ ، فلو كان كما زعم لكان قرآنا غير عربي ذا عوج ، ومثله موجود في القرآن على قراءة من قرأ « ولا تحسبن الله مخلف وعده رسله » « 7 » بنصب « وعده » ، وأيضا احتج أبو علي في كتابه على هذه القراءة بقول الشاعر « زج القلوص أبي مزادة » « 8 » ، يعني قد جاء في الشعر الفصل على حد ما قرأه ابن عامر ، فطعن الجاهل بعلة الحكم لا يكون طعنا في صحة ذلك الحكم . قوله ( لِيُرْدُوهُمْ ) علة للتزيين ، أي زينوا ذلك للمشركين ليهلكوهم من الردي وهو الهلاك ( وَلِيَلْبِسُوا ) أي ليخلطوا ( عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ) الذي وجب أن يكونوا عليه وهو دين إبراهيم بادخال الشك فيه ( وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ ) أي لمنع المشركين عن القتل أو الشياطين « 9 » والسدنة عن التزيين منع جبر وقهر ( فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ) [ 137 ] أي دعهم وما يختلقون « 10 » من الكذب بأن اللّه أمرهم بذلك إلى الوقت الذي تؤمر بقتالهم أو إلى موعد الحساب والمجازاة . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 138 ] وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 138 ) ( وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ ) هذا بيان كيفية التزيين للتحريم والتحليل بهواهم في الظاهر ، أي قال المشركون هذه أنعام للبحيرة والسائبة والوصيلة ، وحرث « 11 » لنوع من الزرع ( حِجْرٌ ) أي حرام يوصف به الواحد والجمع والذكر والأنثى ، وأرادوا به أنها عينت للأصنام فلا يتناولها أحد من الإنسان إلا بحكمهم ، ويقولون ( لا

--> ( 1 ) نزلت ، س : نزل ، ب م . ( 2 ) اختصره المفسر من السمرقندي ، 1 / 516 ؛ والكشاف ، 2 / 89 . ( 3 ) « زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم » : قرأ ابن عامر بضم الزاي في « زين » وكسر يائه ورفع لام « قتل » ونصب دال « أولادهم » وخفض همزة « شركاؤهم » ، والباقون بفتح الزاي والياء ونصب لام « قتل » وكسر دال « أولادهم » ورفع همزة « شركاؤهم » . البدور الزاهرة ، 111 . ( 4 ) أعني أولادهم ، ب س : - م . ( 5 ) عن الكلبي ، انظر البغوي ، 2 / 424 . ( 6 ) القراء ، ب س : القراءة ، م . ( 7 ) إبراهيم ( 14 ) ، 47 . ( 8 ) أخذه عن البغوي ، 2 / 424 ؛ أو الكشاف ، 2 / 89 . ( 9 ) الشياطين ، ب س : الشيطان ، م . ( 10 ) يختلقون ، ب س : يختلفون ، م . ( 11 ) حرث ، ب م : الحرث ، س .